عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

149

الارشاد و التطريز

ففهم من ذلك شيئا أزعجه ، وأخرجه هائما على رأسه إلى مكّة ، فجاور بها وتعبّد ، وترك التّدريس . قلت : وهذا الشعر المذكور يفهم منه الموفّق أنّ عمره قد ولّى ، وقارب الفوت ، وضاق عن الاتساع للاشتغال بالاستعداد للموت ، فيبادر بالعزائم الكبار إلى مواصلة الأعمال بالليل والنهار ، ويطرب فيها كما يطرب شارب العقار ، متلذّذا بالخدمة والمنادمة للملك الغفّار ، معرضا عن دار الاغترار ، مشتاقا إلى دار القرار . * وقال الشيخ الكبير العالم العارف سفيان اليمني « 1 » رضي اللّه عنه ، ونفع به : قيل لي : إذا أردتنا فأترك القولين والوجهين . * وبلغني أنّ الشيخ الإمام السيد محيي الدّين النواوي رضي اللّه عنه أوصى إخوته عند موته بالتعبّد ، ونهاهم عن التغلغل في الاشتغال بالعلوم . * وقال القاضي الإمام أبو بكر ابن عربي « 2 » رضي اللّه عنه في بعض كتبه : لقيت الإمام أبا حامد الغزالي رضي اللّه عنه في البرّية ، وعليه مرقّعة ، وبيده ركوة وعكاز « 3 » ، وقد كان يحضر مجلسه نحو مائة عمامة من أبناء الأمراء ، أو كما قال - وقال غيره : كان يدرّس ثلاث مائة - وقال ابن عربي : فقلت له : يا إمام ، أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا ؟ فنظر إلى شزرا ، وقال : لما بزغ بدر السعادة في ملك الإرادة - أو قال : في سماء الإرادة - وجنحت شمس الأصول إلى مغارب الوصول : تركت هوى سعدى وليلى بمعزل * وعدت إلى تصحيح أوّل منزل ونادت بي الأشواق مهلا فهذه * منازل من تهوى روديك فانزل

--> ( 1 ) سفيان بن عبد اللّه الأبيني اليمني فقيه عارف عالم زاهد ، له كرامات ، مات أواخر القرن السابع . طبقات المناوي 2 / 418 . ( 2 ) محمد بن عبد اللّه بن محمد الإشبيلي المالكي أبو بكر بن العربي ( 468 - 543 ه ) . قاض من حفاظ الحديث ، رحل للمشرق ، وبرع في الأدب ، وبلغ رتبة الاجتهاد ، صنف كتبا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والتاريخ والأدب ، ولي قضاء إشبيلية ، مات بقرب فاس . ( 3 ) في هامش ( أ ) : أي عمي .